رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [4]

![رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [4]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2025/1/31/381048e6-aad8-4435-8616-4b6a92ce4f11/2.jpg?width=1200&format=jpg)
لا يزال الحديثُ هنا يتناولُ كتابَ باسم السبع الجديد، «لبنان في ظِلال جهنّم: من اتّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. وقد وقّعَ كتابه قبل أيّام في حفل خاصّ في الرياض، كما أنّ سعد الحريري (بحسب الدعوة) سيرعى حفلَ توقيع للكتاب في وسط بيروت في ذكرى اغتيال رفيق الحريري.
يتحدّث المؤلِّف عن اغتيال رينيه معوَّض ويقولُ إنّ النظام السوري اغتاله لتمكين النظام من فرْض وضْع لبنان تحت «الوصاية» السوريّة (ص. 81). لكن: 1) ألم يكن تنصيب رفيق الحريري رئيساً للحكومة وباسم السبع نائباً عندما كانت المخابرات السوريّة تزكّي النواب والوزراء كجزء من نظام الوصاية هذا؟ 2) ثم، إنّ حافظ الأسد شخصيّاً اختار رينيه معوّض رئيساً، وفضّله على غيره من حلفاء سوريا، وأمرَ النواب بالتصويت له، فلماذا يغتاله بعد أيّام فقط من تنصيبه؟ لخلاف على تشكيلة وزاريّة مقترحة؟ الكلام غير مُقنع أبداً رغم ضلوع النظام في عمليات اغتيال متعدّدة قبل الحرب وبعدها، وضدّ سوريين ولبنانيّين وفلسطينيّين. والسبع يسرد كيف أنّ المخابرات السوريّة هي التي اختارت خَلَفَ رينيه معوّض.
ويرى السبع، في لهجة وعظيّة لا لبسَ فيها، أنّه «من المُخجل» أنّ «معظم القيادات اللّبنانية ومسؤولي الأحزاب ارتضوا» أن يكونوا جزءاً من المنظومة المخابراتية التي أسّسها النظام السوري في لبنان (ص. 84). لكنْ، ألم يكن كلُّ فريق رفيق الحريري رُكناً أساسيّاً في هذه المنظومة، ثمّ، ألم يستخدم الحريري نفسُه المخابرات السوريّة لمعاقبة منافسيه في الداخل اللّبناني وتخويفهم وترهيبهم؟ ويقول إنّ الحريري حوصر في مجلس الوزراء من قِبل وزراء البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي. لكنْ: هل معارضة رفيق الحريري ومشاريعه الاحتكاريّة والجشعة كانت بناءً على أوامر من المخابرات السوريّة؟ ألم تعمل المخابرات السوريّة في الضغط على معارضي الحريري في داخل الحُكم وخارجه؟ ألم يكن هناك من معارضة للحريري بدوافع شريفة، وخصوصاً أنّ الحريري هو الذي كان يستخدم المال والمخابرات لنَيل مطالبه بغير التمنّي؟ ويعترف المؤلِّف أنّ دخول الحريري المعترك كان بـ«عربة سعودية المنشأ وسورية الدفع» (ص. 84، يحتاج المؤلِّف إلى دراسة في أصول وضْع علامات الترقيم، إذ إنّه يضع الفواصل أحياناً في غير مواضعها).
يتحدّث عن رفيق الحريري ووضْع اليد على وسط بيروت، ويستخدم عبارة «إمرار المشاريع». كيف مرّرها؟ بالحُسنى أم بالاستيلاء و«السلبطة» مستعيناً بالمخابرات السوريّة والمال السياسي (والمال الصحافي؛ لأنّ الحريري اشترى من الصحافيّين أكثر مما اشترى من السياسيّين)؟ ويعترف أنّ الحريري استعان في مسعاه بخدّام والشهابي وكنعان.
لكنْ: كيف يغفل السبع عن ذِكر شراء الحريري، حرفيّاً، لخدّام والشهابي وكنعان؟ هل أنّه حصل على طواعية الثلاثي بالمجّان والإقناع؟ لا، ويعترض السبع أنّ الحريري، رغم نفوذه في داخل النظام السوري واستيعابه الروحي للمخابرات السوريّة في لبنان، عجزَ عن الحُكم بالتسلّط الكلّي، إذ لم يحصل على الصلاحيّات الاستثنائيّة التي أرادها، ويلومُ في ذلك نبيه برّي، مع أنّ حافظ الأسد هو أيضاً الذي لم يلبِّ رغبة الحريري في هذا الشأن. يقول إنّ الحريري كان أحد عرّابي وصول برّي إلى الرئاسة، كأنّ برّي لم يكن ذا قاعدة شعبيّة عريضة غيّرت من طبيعة الزعامة في الطائفة الشيعيّة. وعندما واجه الحريري عرقلةً من داخل الحُكم، لم يجد من الوسائل الديموقراطية البرلمانيّة إلّا إرسال السبع للقاء عبد الحليم خدّام (ص. 90). طبعاً، لم تُرفق الإشارة إلى خدّام مسألة التمويل السخي له من قِبل الحريري لِما فيه مصلحة الأمّة جمعاء، ومصلحة العلاقة الخاصّة التي أرادها بين لبنان والنظام السوري. لا، يصف السبع العلاقة بين الحريري وخدّام بأنّها «صداقة»، ما هذه الصداقة التي يموّل فيها صديقٌ صديقَه لدوام الصداقة؟ وهل التمويل يشُوب الصداقة أم يجعل منها علاقةَ تابع ومتبوع؟ يقول الحريري للسبع في الملمّات: «أبو جمال بانتظارك. شوفوا وأنا ناطرك» (ص. 91).
يعطي السبع تفسيراً لاتّفاق الطائف يمنع فيه العمليّات العسكريّة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. يستغرب السبع كيف أنّ «مشاركة الحزب في الحياة البرلمانيّة لا يعني الانضباط تحت سقف الشرعيّة الجديدة»
والسبع يزور دمشق بوتيرة عالية جداً (ربما ليس إلى الدرجة التي زارها جنبلاط الذي أصبح له منزلٌ في دمشق ومكتب لحزبه من أجل التنسيق اليومي، وتسلّم زمام المكتب، أكرم شهيّب الذي أصبح في ما بعد من دُعاة الثورة على النظام السوري لأنّه اكتشف بعد سنوات أنّ النظام تسلّطي وظالِم). لكنّ السبع يعيّر الذين يزورون دمشق، فيقول إنّ دمشق كانت «مقصداً لكثير من السياسيّين اللّبنانيّين، من مختلف المقامات والمواقع والانتماءات، من مستوى كَتَبة التقارير وصغار المخبِرين والطفيليّات السياسيّة وأصحاب المصالح والشكاوى وماسحي الجوخ، إلى مستوى الزعماء ورجال الدين وقامات التنظير بالعمل الوطني والقومي، والباحثين عن مناصب وزارية أو نيابيّة أو إداريّة، بما فيها الوظائف العسكريّة والقضائيّة» (ص. 91). لكن: ألَا يسري هذا الكلام على المؤلِّف وعلى أفراد فريق الحريري السياسي، وخصوصاً أنّ السبع اعترف مبكّراً أنّ زياراته لدمشق كانت تترافق مع محجّة إلى عنجر، حيث مقرّ المخابرات السوريّة (لكنّ السبع يقلّل من أهميّة أو دلالة زياراته لمقرّ المخابرات السوريّة، إذ يقول «وعلى قلّة الزيارات التي قمتُ بها لمقرّ المخابرات السوريّة في عنجر، بتكليف من الرئيس الحريري» (ص. 92). ويتحدّث عن «ماسحي الجوخ»: هل يقصد أنّه والحريري كانا في موقع مُغاير؟ هل كانا مثلاً يفاتحان حافظ الأسد وخدّام في شأن حقوق الإنسان والديموقراطيّة في سوريا، وخصوصاً أنّ تصريحات الرجلَيْن من تلك الحقبة لا تختلف (من حيث مضمون الإطراء على النظام السوري) عن خُطب مسؤولي حزب البعث في لبنان وتصريحاتهم.
يقول إنّ الوجود العسكري السوري في لبنان كرَّس «ثقافة الفساد». لكنْ: أليس رفيق الحريري هو المسؤول الأكبر عن نشْر ثقافة فساد بمستوى لم يسبقه إليه أحد منذ إنشاء الجمهوريّة؟ الحاج حسين العويني كان مثل الحريري ثريّاً من أعماله في السعودية، لكنّه لم ينشر ثقافة الفساد وشراء الناس. الحريري كان يشتري رؤساء الجمهوريّة وقادة الجيش والقادة الروحيّين والصحافيّين والنوّاب والوزراء والنقابيّين وقادة الأحزاب، إضافة إلى شرائه قادة المخابرات السوريّة. ثم يصبح النظام السوري الفاسد هو وحْده مرتكب الفساد في لبنان؟ لكنّ السبع يكاد يعترف بفساد الحريري، لكنّه يصِف فساده على النحو الآتي: «قوّته الماليّة والسخاء الذي عُرفَ عنه». هذا يسري على الأنظمة التي كانت تشتري بالمال في لبنان. يزور السبع خدّام، ويقول له خدّام إنّه تفاهم مع حافظ الأسد وإنّ أوامر ستصدر للهراوي وبرّي لتسهيل مهمّة الحريري. ويقول له خدام خاتماً: «وما بيكون حبيبنا أبو بهاء إلّا راضي» (ص. 92). ليت السبع مثلاً يقول لنا عن المبلغ المالي الذي حمله من الحريري لخدّام لتسهيل هذه المهمّة بالذات. السبع سيقول عن ذلك: «قوّة الحريري الماليّة وسخاؤه».
يعتدّ السبع بصياغته لخُطب الحريري وفيها جُمل معروفة جيّداً لقرّاء التراث العربي. يُلقي خطبة في مجلس النواب ويستعير صياغتها من قِس بن ساعدة، مثلاً (لا أزال أذكرها). ويستعير في خطاب للحريري من علي بن أبي طالب ويقول (بلسان الحريري): «لو كان اليأس صخراً لطحنته» (ص. 94)، على طريقة «لو كان الفقر رجلاً لقتلته»، لكنّ السبع استبدل القتل بالطحن، وهذا فارق أدبي كبير. لكنّ هذا الخطاب بالذات لم يُلقَ لأنّ خدّام طلب ذلك (وطلب خدّام لا يُرد، مع أنّه خاضع لـ«قوة الحريري الماليّة وسخائه»).
يتحدّث عن المشكلات التي اعترضت حكومة الحريري الأولى فيذكر عمليّة تفجير لدوريّة إسرائيليّة في الشريط الحدودي المحتلّ (ص. 99). تقرأ ذلك وتدرك على الفور أنّ فريق الحريري كان يرى أيّ عمليّة عسكريّة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي مصيبة المصائب لأنّ مشروعه، على ما يرِد في السرديّة، كان يفترض تعايشاً سلميّاً مع الاحتلال الإسرائيلي. والطريف في رواية السبع أنّه من ناحية يعبّر عن القلق الذي اعترى فريق الحريري من جراء عمليّة للمقاومة، لكنّه لا ينسى أن يذكر اعتراضه على «حصريّة المقاومة بيد حزب الله». كأنّ فريق الحريري كان سيُسرّ لو أنّ أحزاباً أخرى شاركت في المقاومة، أو كأنّ الضِّيق الذي أصاب فريق الحريري من جرّاء العمليّة كان بسبب نيّتهم المشاركة في أعمال المقاومة. لكنْ هم تضايقوا من مقاومة حزب واحد، فما بالك لو أنّ أحزاباً مختلفة شاركت فيها؟ لا، ويعطي السبع تفسيراً لاتّفاق الطائف يمنع فيه العمليّات العسكريّة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. يستغرب السبع كيف أنّ «مشاركة الحزب في الحياة البرلمانيّة لا يعني الانضباط تحت سقف الشرعيّة الجديدة». أي إنّ الحريري كان سيقود المقاومة بنفسه لو أنّ الحزب التزم بالانضباط والانضواء تحت مظلّة الحريري (مستفيداً من «قوة الحريري المالية وسخائه»).
كيف كانت أصداء عمليّة عسكريّة للحزب ضدّ دوريّة عسكريّة للجيش الإسرائيلي على الأرض اللّبنانيّة؟ يصف السبع المشهد بتفصيل للحالة النفسيّة لحاشية الحريري: «أصداء العبوة في قصر قريطم كانت قويّة. وجوم وقلق واضطراب في التعبير عن مواقف تاهت بين الضربة الموجعة للاحتلال الإسرائيلي وبين الخوف من تداعياتها العسكريّة» (ص. 100). وينقل السبع مزهوّاً تصريحاً لمسؤول أميركي يقول فيه إنّ عملية الحزب استهدفت «عمليّة السلام» وحكومة الحريري. أي إنّ الحريري وعمليّة السلام هما صنوان. هذا الارتباط بين مشروع الحريري ومشروع السلام لم يكن خافياً، لكنّ الحريري كان ينفي ذلك في حينه ويعدّ الكلام من منظور المزايدة. عندما تقرأ ذلك في الكتاب، تتساءل عن دوافع الحريري في لقاءاته السريّة الأخيرة التي كان يعقدها مع حسن نصرالله. هل كان يمارس الخداع، وخصوصاً عندما تبيّن دوره في إعداد القرار 1559 (بعد نَفي لسنوات اعترف مستشار الحريري الوثيق، جوني عبده، بدور الحريري).
يُخبرنا السبع أنّه بات للحريري منزل في دمشق في حي أبو رمّانة، ويعرّف الحيّ بأنّه «أحد الأحياء الدمشقيّة الراقية» (ص. 102). كم أنّ السبع شديد الانبهار بمظاهر الثراء والرفاهية. ومنزل أبو رمّانة، يقول السبع، أصبح «محطّة إقامتنا في دمشق عندما تدعو الحاجة». ويقول السبع إنّ النظام السوري خصّص لمجموعة من الشخصيّات والقيادات الحزبيّة و«كتبة التقارير الأسبوعيّة للمخابرات» شِققاً أقلّ فخامة. يحدّث رفيق الحريري زوجة السبع عن حُلمه في إعمار الوسط التجاري، فيقول لها إنّها ستقول لابنها «هذه المنطقة عمّرها عمّو رفيق» (ص. 110). ويتحدّث رفيق عن نفسه فيستفيض: «سيُسجَّل في كُتب التاريخ أنّ إعادة البناء كانت لبنانيّة بامتياز، وأنّ من قام بها هو شابٌ لبناني مسلم من صيدا» (ص. 110).
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
